كلما ازداد الإنسان وعيا، ازداد لطفا.
يوسف سامح إخوته لكنه لم يدعهم للعيش معه في القصر أعطاهم أرضًا ليعيشوا منها ويعيلوا عائلاتهم في مصر، فالذكاء العاطفي هو أن تسامح وتساعد دون أن تعيد إلى مائدتك من ألقاك يومًا في الجُبّ.
اليوم قرأت آية خلتني أفكر كثيرًا
﴿وَنَزَعنا ما في صُدورِهِم مِن غِلٍّ إِخوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلينَ﴾
أطلت النظر بالآية وعدت قرائتها أكثر من مرة وتسائلت بيني وبين نفسي
كيف يتكون الغل أو الحقد أو الحسد في قلوبنا أصلاً؟
وليش أحيانًا نحس بمشاعر ما نرضاها في داخلنا لكن تفرض نفسها علينا؟
في علم النفس تسمى هذي المشاعر
"انفعالات سلبية عميقة"
Deep negative emotions
Profound negative emotions أو
وغالبًا ما تبدأ من تجارب قديمة أو صدمات عاطفية يعني شخص انجرح من موقف، وما قدر يتعامل مع الجرح بشكل صحي فتخزن الألم داخله وتحول بمرور الوقت إلى حقد أو حسد
مثل:
:Deep sadness الحزن العميق
شعور طويل الأمد ومؤلم باليأس والفقدان
:Severe anxiety القلق الشديد
الخوف والقلق المفرط والمستمر الذي يؤثر على الحياة اليومية
:Profound fear الخوف الشديد
خوف يفوق الحد الطبيعي ويعيق الأنشطة اليومية
:Intense anger الغضب الشديد
مشاعر غضب قوية وعنيفة
:Despair اليأس
شعور طاغ بفقدان الأمل وعدم وجود حل للمشاكل
:Remorse/Regret الحسرة
شعور بالذنب والأسف الشديد تجاه أفعال ماضية
الحسد مُرتبط بشيء يسمونه علماء النفس
"المقارنة الاجتماعية"
لما الشخص يقارن نفسه بالآخرين ويشوف إن غيره عنده اللي هو ما حصل عليه ويحس بشعور النقص هذا الشعور إذا ما تعالج يتحول مع الوقت إلى حسد
أما الحقد والكره
هذي المشاعر غالبا تنمو من "التعميم" مثل لو شخص غدره صديق، يبدأ يعمم ويكره أي شخص يشبهه أو أي موقف يذكره فيه
وهنا يدخل العقل في دائرة يسمونها في علم النفس "تشوهات معرفية"
Cognitive Distortions
في دراسات علم الأعصاب
الموضوع أعمق بكثير فالمخ عنده مناطق زي اللوزة الدماغية مسؤولة عن المشاعر وخصوصًا Amygdala الخوف والغضب ولما يتعرض الشخص لموقف يثير غيرته أو يحرك شعور الظلم بداخله اللوزة تشتغل وترسل إشارات توتر ومع التكرار، تتشكل مسارات عصبية جديدة تخلي هذي الاستجابة تصير أسرع وأقوى يعني باختصار الدماغ يتبرمج على الحقد أو الحسد إذا تكرر الشعور وما صار فيه وعي أو ضبط
وهنا يجي دور القشرة الجبهية الأمامية
Prefrontal Cortex
الجزء المسؤول عن التفكير العقلاني وضبط الانفعالات إذا دربنا أنفسنا على الوعي بالمشاعر والتعامل معها بشكل صحي القشرة الأمامية تقدر تهدّي من نشاط اللوزة وتعيد برمجة الدماغ وهذا اللي يسمونه العلماء
Neuroplasticity "المرونة العصبية"
﴿وَنَزَعنا ما في صُدورِهِم مِن غِلٍّ إِخوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلينَ﴾
الآية تشرح لنا أن النقاء الداخلي شرط للطمأنينة والسعادة الحقيقية وأن أي شعور سلبي في القلب يمنع الإنسان من الوصول إلى راحة البال والسكينة كما أن اللّٰه يربط النقاء الداخلي بالمكافأة الكبرى في الآخرة حيث يعيش المؤمنون بقلوب خالية من الغل والكره في بيئة من الحب والسكينة
والآية دعوة لنا نراجع أنفسنا ونتخلص من الحقد والحسد والكره وننقي قلوبنا بالذكر والدعاء وممارسة التسامح لأن القلب النقي هو الطريق لراحة النفس والطمأنينة وحتى لعلاقات أفضل مع الناس من حولنا
قال اللّٰه تعالى:
﴿وَلا يَحيقُ المَكرُ السَّيِّئُ إِلّا بِأَهلِهِ﴾
وكأن المعنى ان المشاعر السلبية إذا استوطنت في النفس أول من يحترق فيها هو صاحبها
والرسول ﷺ قال: إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب
والتحذير هنا مو بس روحي بل حتى جسدي ونفسي لأن الشخص الحاسد يعيش في توتر وقلق مستمر بينما الراضي يعيش بهدوء وطمأنينة لو رجعنا للقرآن، ربي وضح لنا إن القلب له
في دور أساسي:
﴿في قُلوبِهِم مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾
الموضوع يبدأ من الداخل ومن طريقة تفكيرنا ونظرتنا للأمور والصفات السيئة مثل الغل والحقد والحسد والكره ما هي جزء ثابت من شخصيتنا لكنها أنماط مكتسبة ومع التدريب والإيمان والرضا، نقدر نعيد برمجة عقولنا ونطهر قلوبنا
القرآن والسنة يوجهاننا لطهارة القلوب والتخلص من الغل فالقلوب النقية تتحرر من التوتر الداخلي وتستقبل السكينة وتصبح قادرة على المحبة والرحمة تجاه الآخرين كما وعد اللّٰه أهل الجنة
﴿إِخوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلينَ﴾
وباختصار تنقية القلب رحلة متكاملة وعي نفسي وإعادة برمجة عصبية وتقوى روحية ليصبح الإنسان أكثر هدوء وسلاما داخليا وقادر على الحب والتسامح وهي الخطوة الحقيقية نحو حياة متوازنة وسعيدة
كلما ازداد الإنسان وعيا، ازداد لطفا.
فمن يرى العمق لا يمكن أن يؤذي، ومن يفهم دواخِل الناس يدرك كم هو موجع أن يُكسر قلب أو تُهان روح.
إن الشر لا يولد من النضج، بل من جهل وضيق أفق يجعل صاحبه لا يرى إلا نفسه.
أما الواعون حقا، فهم أكثر الناس رقة في التعامل،
وأشدهم حذرا في الكلمة والنظرة، لأنهم يعرفون أن كل جزح يترك أثراء وأن القسوة لا تليق إلا بالناقصين فهما!
الوعي يُنضج القلب قبل العقل،
ويجعل الإنسان يختار السلام على الانتصار، والرحمة على الغضب،
ولأن الإدراك الحقيقي لا ينتج شرا ... وإنما يُنبت إنسانية.



مقال رائع وكلمات معبرة لكنك ركزت اكثر في نبذ الحسد وتجنب الحقد على النس ومااعطيتنا الكيفية ..كيف مثلا اتعامل مع مشاعر الحقد بوعي وعقلانية ؟كيف اتعامل معها بشكل صحي ؟
اعطيك مثال بسيط مثلا انا لي استاذة درستني قامت بعدة تصرفات جعلتني ابغضها وامقتها لدرجة كبيرة وليس بوسعي مسامحتها على افعالها او نسيانها وبما انها اكبر مني سنا فاني بلعت كل الاهانات والصفعات والمواقف ولم افعل اي شيء يسيء لها ..لكن المشاعر الناتجة عن هذه المواقف تشعل نارا في داخلي وما اقدر اسامحها
اسف على طول الكلام لكن اريد الطريقة ان كان احد يعرف ..كيف اتعامل بوعي مع المشاعر السلبية وكيف اتجنب كبتها وتأثيرها علي ؟
كملته بدون ماحس ورجعت قرائته من عمق الوصف وأيصالك للمعلومة مبدع جداً