مراجعة النفس أهم من لوم الظروف
اليوم قرأت آية خلتني أعيد حساباتي
﴿وَما أَصابَكُم مِن مُصيبَةٍ فَبِما كَسَبَت أَيديكُم وَيَعفو عَن كَثيرٍ﴾ [Ash-Shūrā: 30]
كيف اللي يصير لنا هو بسبب أفعالنا؟ وكيف يكون الإِنسان سببا في مصيبته أحيانا بدون ما ينتبه؟
في علم النفس السلوكي والعلاج السلوكي المعرفي CBT فيه مفهوم يسمونه تحمل المسؤولية Self Efficacy والفعالية الذاتية
وعلماء النفس يقولون إن الشخص اللي يدرك أن أفعاله لها تأثير مباشر على حياته يتمتع بما يُسمى Self Efficacy أو الكفاءة الذاتية
وهذي الكفاءة تزيد من ثقته بنفسه وتخليه أكثر قدرة على مواجهة التحديات والآية تؤكد نفس المبدأ اللي يصير لنا له علاقة بأفعالنا واللي يدرك هذا يقدر يتخذ خطوات إيجابية بدل العيش في حالة استسلام
وكثير ناس يعيشون دور الضحية يلومون الظروف أو الآخرين على اللي يصير لهم ويشعرون بالعجز والعلاج السلوكي المعرفي CBT يركز على إعادة صياغة هذه الأفكار "اللي صار مو بس خارجي أنا أشارك في النتائج باختياري"
والقرآن يعلّم نفس المبدأ حنّا شركاء في ما نكتسبه أو نصنعه
إدراك الإنسان لأخطائه ونقاط ضعفه يخليه أكثر قدرة على التغيير والآية تحفز على التفكير "هل فيه أفعال أو قرارات أو سلوكيات ساهمت في اللي صار لي؟ هذا هو جوهر العلاج النفسي التعرف على الذات وفهم السلوك وتعديل النتائج
والدراسات النفسية تؤكد أن الأشخاص اللي يأخذون مسؤولية أخطائهم يتعلمون أسرع ويصيرون أكثر مرونة ذهنية
Mental Resilience
والآية تعلمنا أن المصائب موبس عقوبة بل "فرصة لتصحيح المسار وتحسين الذات وتطوير السلوك
والأشخاص اللي يلومون الناس أو الظروف دايم يميلون للشعور بالعجز والاكتئاب بينما التركيز على المسؤولية الذاتية يقلل هذا الشعور ويزيد من الإحساس بالتحكم في الحياة داخلي Locus of Control
في علم الأعصاب عندنا مفهوم يسمونه Neuroplaste أو "المرونة العصبية" وش معناها؟ يعني عقلك يتشكل ويتبرمج مع كل تجربة أو قرار أو عادة تسويها فلو اخترت سلوك سلبي متكرر عقلك يبدأ يبني "مسارات عصبية" Neural Pathways تدعم هذا السلوك فيصير مع الوقت عادة صعب تكسرها
مثل لو الشخص متعود يهرب من مشاكله بدال ما يواجهها عقله يتبرمج على رد فعل الهروب ومع الأيام هذا السلوك يجلب له "مصائب" مثل القلق والعلاقات الفاشلة وحتى مشاكل جسدية بسبب التوتر
فالآية هنا تنبهنا إن كثير من "المصائب" موبس من الظروف الخارجية لكن من "اللي كسبته أيدينا" اختياراتنا اللي برمجت عقولنا بها لشكل
علماء الأعصاب مثل "Hebb" يقولون "الخلايا العصبية اللي تشتغل مع بعض ترتبط مع بعض" بمعنى أن كل فكرة أو فعل تكرره يقوي المسار العصبي فيصير جزء من حياتك
والدراسات الحديثة توضح إن حتى الضغط النفسي المستمر يغير بنية الدماغ وخاصة في Amygdala اللوزة الدماغية المسؤولة عن الخوف والانفعالات وهذا يفسر ليش المصائب النفسية ممكن تكبر وتستمر لو الشخص ما غير سلوكه
والآية تعلمنا مبدأ نفسي عميق لما يصير شي في حياتنا مو الهدف نغرق في جلد الذات ولا نلوم الظروف بل نوقف وقفة صدق مع أنفسنا
وش اللي سويته وأثر علي؟ وش أقدر أغيره قدام؟
وهنا يجي التوازن بين الإيمان بالقضاء والقدر وبين العمل بالأسباب وتحمل المسؤولية
نجي لتفسير الآية:
﴿وَما أَصابَكُم مِن مُصيبَةٍ فَبِما كَسَبَت أَيديكُم وَيَعفو عَن كَثيرٍ﴾ [Ash-Shūrā: 30]
﴿وَما أَصابَكُم مِن مُصيبَةٍ﴾
المصيبة هنا تشمل أي نوع من البلاء أو الشدة مرض أو فقدان مال أو مشاكل في الحياة أو ضيق في الرزق أو حتى ابتلاءات على مستوى المجتمع كله
﴿فَبِما كَسَبَت أَيديكُم﴾
المقصود أن أغلب هذي المصائب نتيجة أخطائنا وذنوبنا حنّا سواءً كانت ذنوب ظاهرة كالمعاصي الكبيرة أو خفية مثل الغفلة أو الحسد أو قسوة القلب كأن اللّٰه يقول: أنتم من جلبتم هذه البلايا لأنفسكم بعملكم
﴿وَيَعفو عَن كَثيرٍ﴾
ومع هذا رحمة اللّٰه تغلّب عدله فالله لا يؤاخذنا بكل خطايانا بل يعفو عن معظمها ولو كان يعاقبنا على كل ذنب ما ترك على الأرض أحدًا وهذا الجزء يفتح باب الرجاء كأنه يوازن بين التحذير والطمأنينة الذنوب تجلب المصائب لكن رحمة اللّٰه أوسع مما نتخيل
الآية تربينا على التوازن لما ينزل بلاه ما نقول "هذا ظلم أو صدفة" بل نراجع أنفسنا يمكن أخطأت يمكن قصرت يمكن عندي ذنب يحتاج توبة وفي الوقت نفسه ما نيأس لأن الله يعفو عنا أكثر مما يعاقب
وليست كل مصيبة عقوبة بل قد تكون ابتلاءً لرفع الدرجات أو تكفيراً للسيئات
والدليل
روى عن النبي صلى اللّٰه عليه وسلم أبو سعيد وأبو هريرة رضي اللّٰه عنهما يقول فيهِ
ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه
ويوضح الحديث أن كل ما يُصيب المسلم من تعب أو مرض أو حزن أو أي أذى يسبب له تكفيرًا من سيئاته حتى الشوكة الصغيرة التي يشاكها
تحمل مسؤولية أفعالنا يحررنا من دور الضحية ويزيد قدرتنا على التكيف مع المصاعب كما يُنمّي الوعي الذاتي والقدرة على وكل تجربة وسلوك نمارسه يشكل مسارات دماغية تؤثر على استجابتنا للمواقف المستقبلية فالوعي بسلوكياتنا ومراجعتها يساعد على إعادة برمجة عقولنا نحو المرونة والسيطرة الانفعالية
والآية تجمع بين التربية الروحية والوعي النفسي عشان تعلمنا نكون مسؤولين عن حياتنا ومتأملين في أفعالنا وواثقين برحمة اللّٰه اللي تتجاوز كل خطاً ونراجع أنفسنا مع التوبة والرجوع إلى اللّٰه واليقين برحمته


مقال راااائعععع أهنيك يالسمي
- أستغفر الله العظيم و أتوب إليه.
- لا حول و لا قوة إلا بالله.
- اللهم صل و سلم على نبينا محمد.
- الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
- لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
- الحمدلله، الحمدلله، الحمدلله.
- سبحان الله و بحمده، سبحان الله العظيم.