مرّت عليّ اليوم آية فتحت لي باب كبير للتأمل
﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيثَ وَيَعلَمُ ما فِي الأَرحامِ وَما تَدري نَفسٌ ماذا تَكسِبُ غَدًا وَما تَدري نَفسٌ بِأَيِّ أَرضٍ تَموتُ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ﴾
وقفت عندها ولفت نظري قول اللّٰه عزْ وجل
﴿وَما تَدري نَفسٌ ماذا تَكسِبُ غَدًا﴾
وسألت نفسي
ليه الإنسان يخاف المجهول؟
وليه دايم التفكير بالمستقبل يثير القلق وغم إننا نعرف إن بيد اللّٰه كل شيء؟
في علم النفس
مفهوم يسمونه "قلق التوقع"
anticipatory anxiety
وهو شعور القلق اللي يجينا قبل ما يصير الشيء أصلاً
والعقل يبدأ يرسم سيناريوهات سلبية، أحيانًا مبالغ فيها، وهذا طبيعي لأن الإنسان بطبعه يحب "اليقين" ويكره " المجهول"
وأسبابها النفسية:
التجارب السلبية السابقة، أو عدم الثقة،
بالنفس، أو القلق العام
الأسباب البيئية:
التعرض للضغوطات الاجتماعية، أو مشاكَل.
العمل، أو الصدمات
وفي علم الأعصاب
فيه منطقة في الدماغ اسمها القشرة
Prefrontal Cortex الجبهية الأمامية
هذي المنطقة هي “مركز التخطيط و صنع القرار” وهي اللي تحاول تتنبأ بالمستقبل عشان تحمينا
المشكلة انها أحيانًا تشتغل زيادة عن اللزوم، وتفسر كل احتمال بسيط وكأنه خطر أكيد ، فبالتالي بيصير عندنا خوف من المجهول حتى لو ما له أساس
والدراسات العصبية تقول ان الدماغ لما يواجه غموض يفضل سيناريو مؤلم لكنه معروف،
على سيناريو مجهول حتى لو ممكن يكون أفضل،
وهذا اللي يفسر ليش كثير ناس يتمسكون باللي متعودين عليه حتى لو ما يناسبهم لأن المجهول يخوف أكثر من الألم الحالي
هنا يجي دور العلاج السلوكي المعرفي (CBT)
ال CBT يقول: الخوف من المستقبل ما ينبع من
"المستقبل نفسه" لكن من التصورات اللي نرسمها داخليًا
يعني العقل يصنع سيناريوهات سلبية، والقلب يصدقها، والجسم يتفاعل معها وكأنها حقيقة
العلاج السلوكي المعرفي يعالج هالمشكلة عبر ثلاث
خطوات أساسية:
الأولى نتعرف على الأفكار التلقائية:
لما يجيك قلق "يمكن يصير شيء سيئ بكرة"
وقف واسأل نفسك هل فيه دليل فعلي على هالفكرة؟ ولا مجرد خوف داخلي؟
الثانية إعادة صياغة الفكرة:
بدل "أنا مقدر أواجه بكرة"
تتحول إلى "أنا ما أقدر أتنبأ ببكرة، لكن أقدر أستعد له بإيماني وثقتي بالله"
الثالثة تغيير السلوك:
القلق يخليك تتجنب، لكن CBT يعلمك إن المواجهة خطوة خطوة تقلل الخوف
مثلاً: إذا تخاف من مقابلة عمل، بدال الإنسحاب تدرّب، حضر، وجرّب
المستقبل غيب والقلق وهم والعلاج هو مزيج من إدراكنا النفسي، وتوكّلنا القلبي
اللّٰه سبحانه وتعالي يقول: ﴿قُل لَن يُصيبَنا إِلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾
الآية ما تعلمنا بس الاستسلام لكنها تزرع عينا يقين يخفض القلق ويعطينا قوة نواجه "المجهول" بنفس مطمئنة
والغموض مو عدو لنا بل هو مساحة لنا نجتهد ونتوكل على الله
واللي يزرع القلق داخلنا مو المستقبل بل طريقة تفكيرنا فيه
ومع التدريب النفسي والروحي
نقدر نحول الغموض من مصدر خوف إلى
مصدر أمل
نجي لتفسير الآية:
﴿وَما تَدري نَفسٌ ماذا تَكسِبُ غَدًا﴾
المعنى إن الغيب مستور عن البشر ولا أحد يعرف رزقه أو عمره أو ما سيحدث له غدًا وهذا يَعلّمنا التوكل على اللّٰه والرضا بما كتبه، مع العمل بالأسباب
وروى البخاري عن ابن عمر - رضي اللّٰه عنهما - عن النبي صلى اللّٰه عليه وسلم أنه قال؟
"مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا اللّه،، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت"
الخوف من المجهول جزء من طبيعة الإنسان ودماغه، لكنه مو القدر النهائي الإيمان والتوكل يخلون القشرة الجبهية تشتغل بهدوء وما تعيشنا في سيناريوهات سوداوية بل تدفعنا للتخطيط الواقعي بدون فزع
والآية رسالة طمأنينة وتوحيه لنا
المستقبل في علم اللّه، وما نملكه حنا هو السعي بالأسباب
وتنظيم أفكارنا ومشاعرنا وتعليم عقولنا تَوازن.
بين التوقع والعمل


جزاك الله خير
سبحان الله ينطبق على واقعي ، أحاول محاربته بالتوكل و الدعاء باليقين ، الله ييسرها