المشي خلف القطيع
كيف يعيد المجتمع تشكيل قناعاتنا دون أن نشعر
"ليس كل ما يفعله الجميع صوابًا... فالحقيقة لا تُقاس بعدد من يؤمن بها"
ونحن نركض مع التيّار صار المقياس "هل الجميع يفعل هذا؟" بدل "هل هذا صحيح؟؟"
وكأن مقياس الحق تغيّر، فأصبح رضا الناس أهم من صحة الطريق
وفي أثناء تأملي، استوقفتني هذه الآية:
﴿وَإِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي الأَرضِ يُضِلّوكَ عَن سَبيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِن هُم إِلّا يَخرُصونَ﴾ سورة الأنعام [الآية 116]
لماذا يحذرنا الله من اتباع “أكثر من في الأرض”؟
أليست الأغلبية دائمًا على صواب؟
كل إنسان حولنا يتحرك ويفكر بطريقة معينة
وغوستاف لوبون في كتابه (The Crowd A Study of the Popular Mind)
شرح غوستاف لوبون فكرة لافتة؛ وهي أن الإنسان عندما يصبح جزءًا من الحشد، يضعف استقلاله في التفكير، ويبدأ بتقليد من حوله، حتى لو كان ما يفعله الحشد يخالف ما يؤمن به في داخله
ولو نظرنا إلى واقعنا اليوم، سنجد أن الحشود لم تعد تقتصر على الشوارع أو التجمعات، بل أصبحت داخل هواتفنا!!
إعجاب، تعليق، ترند،عدد متابعين
كلها رسائل صغيرة تصل إلى عقولنا، وكأنها تقول:“هذا هو المقبول... وهذا هو الطبيعي”
ومع الوقت قد نجد أنفسنا نفعل الشيء، لا لأنه حق، بل لأنه الأكثر انتشارًا
علم النفس الاجتماعي يفسر هذا بما يُعرف بـ الدليل الاجتماعي (Social Proof)
فالإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، وعندما يرى عددًا كبيرًا من الناس يتبنون سلوكًا معينًا، يميل عقله إلى الاعتقاد بأن هذا السلوك صحيح أو مقبول، حتى قبل أن يفكر فيه بنفسه!!
وهناك مفهوم آخر يسمى الامتثال للجماعة، وهو ميل الإنسان إلى تغيير رأيه أو سلوكه حتى ينسجم مع المجموعة، خوفًا من الرفض أو الاختلاف
ولذلك أحيانًا لا يغيّر الإنسان مبادئه لأنه اقتنع
بل لأنه تعب من أن يكون مختلفًا
القرآن يعلّمنا كيف نواجه هذا الضغط ونتمسك بالحق وقال اللّٰه عزّ وجل
﴿وَلا تَهِنوا وَلا تَحزَنوا وَأَنتُمُ الأَعلَونَ إِن كُنتُم مُؤمِنينَ﴾ سورة آل عمران [ الآية 139]
يعني الثقة بالقيم الصحيحة والتمسك بالمبادئ هو اللي يحمي الفرد من الانجراف مع التيار مهما صار حولك ومهما الكل حولك يسوي شي المؤمن اللي عنده وعي داخلي يبقى ثابت وما يسمح للمراية الاجتماعية تتحكم بعقله وقلبه
ومن أكثر الاقتباسات التي لفتت انتباهي في كتاب (The Crowd) قول غوستاف لوبون:
بداية الثورة هي في الواقع نهاية إيمان
الحياة الواعية للعقل أقل أهمية مقارنة بحياته اللاواعية
الرجال الذين يشكلون حشدًا لا يمكنهم الاستغناء عن سيد ومن ثم فإن أصوات الجمعية تمثل عادة أراء أقلية صغيرة
اللحظة الدقيقة التي يُحكم فيها على معتقد عظيم بالهلاك هي اللحظة التي يبدأ فيها التشكيك في قيمته
الصور التي تثيرها الكلمات مستقلة عن معناها وتختلف من عصر لآخر ومن شعب لآخر
وكلمة "أكثر الناس" تتكرر كثير في القرآن وهذا يعطي معنى مهم وهو الأغلبية مو بالضرورة على الحق والعقل الجماعي أحيانًا يمشي عكس المنهج الصحيح والدليل قول اللّٰه عزّ وجل
﴿وَإِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي الأَرضِ يُضِلّوكَ عَن سَبيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِن هُم إِلّا يَخرُصونَ﴾ سورة الأنعام [الآيه 116]
الآية تحذرنا أن الأغلبية ممكن تضلنا عن الطريق لأنها تتبع الظن وما تعرف الحق
ولذلك تتكرر عبارة "أكثر الناس" في القرآن في مواضع كثيرة، لتلفت انتباهنا إلى أن الكثرة ليست دليلًا على الصواب
﴿إِنَّ في ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكثَرُهُم مُؤمِنينَ﴾ سورة الشعراء [الآية 8]
الآية تشرح لنا حتى لما تصير معجزات أو دلائل واضحة على الحق أغلب الناس ما يكونون مؤمنين
﴿أَكثَرَهُم لا يَعلَمونَ﴾
تذكير أن الغالبية تعيش بدون معرفة حقيقية فتتأكد أن القرار الصائب يحتاج وعي وفكر مستقل
﴿أَكثَرُهُم فاسِقونَ﴾ سورة التوبة [الآية 8]
كثير من الناس بعيدين عن الصراط المستقيم ولا يعتمد عليهم كمرجع للحق
﴿ وَلكِنَّ أَكثَرَ النّاسِ لا يَشكُرونَ﴾ سورة البقرة [الآية 243]
الآية تركز على حقيقة ثابتة في سلوك البشر وغالبية الناس ما يقدرون النعم وما يكون عندهم وعي بالشكر الحقيقي لله
وفي النهاية، قد يكون السير مع الجميع أسهل...لكن الأسهل ليس دائمًا هو الأصح
فالناس يتغيرون، والعادات تتغير، والترندات تتغير...
أما الحق فلا يتغير!!
فاسأل نفسك دائمًا...
هل هذا لأن الجميع يفعله؟ أم...لأن الله يرضاه؟
مقالات أخرى




مقال رائع وجميل ابدعتم
" أليست الأغلبية دائمًا على صواب؟ "
هذا المبدأ الساقط هو ما تقوم عليه الديموقراطية